أحمد بن محمد المقري التلمساني
420
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يقضه اللّه عليك « 1 » لم يقدروا عليه » أو كما قال صلى اللّه عليه وسلم ، فأخلق به أن يلوذ بأكناف الإحجام ، ويزمّ على نفثة « 2 » فيه كأنما ألجم بلجام ، حينئذ نقول له والحق قد أبان وجهه وجلاه ، وقهره بحجته وعلاه : ليس لك من الأمر شيء قل إن الأمر كله للّه ، وفي محاجّة آدم وموسى ما يقطع لسان الخصم ، ويرخض « 3 » عن أثواب أعراضنا ما عسى أن يعلق بها من درن الوصم ، وكيفما كانت الحال ، وإن ساء الرأي والانتحال ، ووقعنا في أوجال وأوحال ، فثلّ عرشنا ، وطويت فرشنا ، ونكس لوانا ، وملك مثوانا ، فنحن أمثل من سوانا ، وفي الشر خيار ، ويد اللطائف تكسر من صولة الأغيار ، فحتى الآن لم نفقد من اللطيف تعالى لطفا ، ولا عدمنا أدوات أدعية تعطف بلا مهلة على جملتنا المقطوعة جمل النعم الموصولة عطفا ، وإلا فتلك بغداد دار السلام ، ومتبوّأ الإسلام ، المحفوف بفرسان السيوف والأقلام ، مثابة الخلافة العباسية ، ومقر العلماء والفضلاء أولي السير الأويسيّة « 4 » ، والعقول الإياسية « 5 » ، قد نوزلت بالجيوش ونزلت ، وزوولت بالزحوف وزلزلت ، وتحيف جوانبها الحيف « 6 » ، ودخلها كفار التّتار عنوة بالسيف ، ولا تسل إذ ذاك عن كيفية « 7 » أيام تجلت عروس المنية كاشفة عن ساقها مبدية ، وجرت الدماء في الشوارع والطرق كالأنهار والأودية ، وقيد الأئمة والقضاة تحت ظلال السيوف المنتضاة بالعمائم في رقابهم والأردية ، وللنجيع سيول « 8 » ، تخوضها الخيول ، فتخضبها إلى أرساغها ، وتهم ظماؤها بوردها فتنكل عن تجرعها ومساغها ، فطاح عاصمها ومستعصمها ، وراح ولم يغد « 9 » ظالمها ومتظلمها ، وخربت مساجدها وديارها ، واصطلم بالحسام أشرارها وخيارها ، فلم يبق من جمهور أهلها عين تطرف ، حسبما عرفت أو حسبما تعرف ، فلا تك متشككا متوقفا ، فحديث تلك الواقعة الشنعاء أشهر عند المؤرخين من قفا « 10 » ، فأين تلك الجحافل ، والآراء المدارة في المحافل ؟ حين أراد اللّه تعالى بإدالة الكفر ، لم تجد
--> ( 1 ) في ب « لك لم يقدروا . . . » . ( 2 ) نفثه فيه : أراد نفخة فمه . ( 3 ) يرحض : يغسل . وكذلك هو في ب ونسخة عند ه . وفي أصل ه « يرخص » . ( 4 ) نسبة إلى أويس القرني الزاهد . ( 5 ) نسبة إلى إياس بن معاوية القاضي الذي ضرب به المثل في الزكانة والفطنة . ( 6 ) تحيف : انتقص . والحيف : الجور والظلم . ( 7 ) في ب ، ج « عن كيف ، أيام تجلت . . . إلخ » . ( 8 ) النجيع : الدم . ( 9 ) في ب « ولم يعد » . ( 10 ) أراد أشهر من « قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل » معلقة امرئ القيس .